مقالات

قاسم حجيج وحكاية مثل: “أخضر يابس هات”

من الأمثلة الشائعة في منطقة جبل عامل، مثل دارج يقول: “أخضر يابس هات!”، وهو يُضرب في التعبير عن الطّمع من جهة، والإصرار على الخطأ من جهة أخرى، وقد أورد السيّد جعفر الأمين قصّة هذا المثل في كتابه “الأمثال العاميّة في جبل عامل”، عازياً أصل هذا المثل إلى قصّة عفاريت النبي سليمان التي كانت مسؤولة عن تسخين المياه في ينابيع طبريّا من أجل استحمام النبي وزوجاته، فقسّموا المناوبات فيما بينهم حتّى لا تبرد المياه أبداً، وبعدما توفي سُليمان (عليه السلام) انفكّ كلّ المسخّرين بين يديه من وظائفهم، إلا هؤلاء العفاريت الذين أصابهم الطّرش من صوت غلي مراجل المياه العملاقة تحت الأرض، وذلك طبقاً لقول الله تعالى: {فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ}، فعندما جاء إليهم إخوانهم من العفاريت يبشّرونهم بموت سليمان، خاف هؤلاء الطرشان وظنّوا أنّهم يحملون رسالة من سيّدنا سليمان من أجل زيادة حرارة المياه، أي أنّ النتيجة لن تتغيّر وإن تغيّرت الأحوال.

بالرّجوع إلى العلامة الأستاذ الاستاذ قاسم حجيج، رائد الذاكرة الشعبيّة في منطقة جبل عامل للوقوف على القصّة الحقيقيّة لهذا المثل، فأفاد بأنّ ما أورده العلامة السيّد جعفر الأمين -رحمه الله- بعيد كلّ البعد عن المعنى الحقيقي لهذا المثل، فهذا المثل إنّما يُضرب في الطمع، وحب الاكتساب، فالشخص المتكسّب الذي لا يملئ عينه شيء، سيبقى يبتزّ الأشخاص الكرماء الذين من حوله، حتّى وإن يبست كرومهم، فهو يطمح للحصول على جذوع هذه الكروم اليابسة ليشعلها حطباً في مواقده.

وأضاف الأستاذ قاسم حجيج: “ربّما استند العلامة المرحوم جعفر لأمين إلى الروايات الإسرائيليّة المبثوثة في تراثنا الإسلامي كمراجع لفهم بعض الآيات والسور القرآنيّة المتلّقة باليهود وبني إسرائيل، وهو مرجع لا يُدانى في التراث الإسلامي، غير أنّ تحميل المثل هذا المعنى بالذّات كان في غير محلّه برأيي، فالمثل واضح الدلالة، وهو يُضرب من قبل أهالي جبل عامل قاطبة على الشخص الطماع الذي لا يُشبع عينه شيء، والذي يعيش كما الطفيلي على ابتزاز أصحاب الهمم العالية والكرم، حتّى وإن تغيّرت أحوالهم، ويعتبر حتّى الحطام مكسباً له، ويفرح به”.    

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى