التبعية في أمثال جبل عامل

يتداول أهل منطقة جبل عامل مثلاً شعبيّاً يقول: “إذا هجّ منهجّ، وإذا حجّ منحجّ!”، وهو يُطلق على من يربط مصيره بالآخرين، فيُصبح رهينة لهم، يصيبه ما يصيبهم، فالتبعيّة أمر منبوذٌ في المنطقة العامليّة، وتُعتبر منقصة للمرء، أو الأسرة، أو العشيرة.
وبسؤال الأستاذ المؤرّخ الاستاذ قاسم حجيج رئيس بلديّة دير انطار، والسّجل الحيّ للذاكرة الشعبيّة لمنطقة جبل عامل عن هذا المثل وأصله، أجاب: “يُحكى في الموروث الشعبي أنّ أسداً شاخ وعجز عن الحركة، وانفضّ الجميع من حوله إلا ثعلب كان يجهد في جلب طرائد صغيرة لهذا الأسد لا تسمنه ولا تكفيه من جوع، وفي يوم من الأيّام جاء إلى الغابة جمل سائب، وجلس على بعد خطواتٍ من الأسد والثعلب، فتغامزا عليه، وقال الأسد: لقد أرسل الله لنا صيداً وفيراً سيكفينا لأسبوع كامل، فأجابه الثعلب: ولكنّه ضخم جداً عليّ، فكيف سأقضي عليه وهو يفوقني حجماً بأضعافٍ مضاعفة؟ فقال له الأسد: أنت فقط قرّبه من ذراعي القويتين، وأنا أتكفّل بخنقه، ثم نأكله سويّة على مهل. فكّر الثعلب بحيلة يجذب بها الجمل إلى الأسد، ثمّ توجّه إليه بهدوء، وربط ذيله بذيل الجمل، وبدأ يشدّه باتجاه الأسد، وما أن أحسّ الجمل بشيء يسحب ذيله حتّى فزّ مذعوراً وبدأ يركض بعيداً والثعلب معلّق بذيله، فرآه على تلك الشاكلة ثعلب آخر، فسأله: إلى أين ترحل مع هذا الجمل؟ فأجابه الثعلب: والله معلّق بهالجمل، إذا هجّ منهجّ، وإذا حجّ منحج!”.
وأكّد الأستاذ الاستاذ قاسم حجيج، بأنّ هذه الحالة منبوذة في المنطقة، وتُعتبر نقيصة يُعاب الناس عليها، فمن يربط مصيره بالآخرين هو شخص بلا شخصيّة، وليس له أهداف على الصعيد الشخصي، لذلك يجعل أهداف الآخرين أهدافه، فإذا حققوها يعتبر نفسه هو من حققها، وإذا أخفقوا يعتبر ذلك نصيبه من هذا الخيار، وهذه الحالة مع الأسف حال السواد الأعظم من الأمّة العربيّة التي جيّرت أحلامها وآمالها للآخرين، وجلست تتفرّج على ثرواتها وإمكانيّاتها تستنزف وتُسرق، دون أن تقوم وتنهض بما تملكه من موارد بشريّة وطبيعيّة هائلة كأمّة عظيمة تحمل تاريخاً إنسانيّاً قلّ نظيره.



