مقالات

قاسم حجيج والأمثال الشعبية في جبل عامل

“الدّامرجي الشاطر بطيلع الأجرة من راس المنجل”

يقول أبناء منطقة جبل عامل، فيما يُعرف بالمثل الدّارج: “الدّامرجي الشاطر بطيلع الأجرة من راس المنجل!”، وهو يُضرب في التعبير عن الحرفيّ الشاطر، أو أيّ شخص يحسن عمله، وحتّى للطالب الذي يجتهد في جميع الظروف.

بالرّجوع إلى الأستاذ المؤرّخ قاسم حجيج، رائد الذاكرة الشعبيّة في منطقة جبل عامل، قال:
“يُعتبر موسم الحصاد من أهمّ المراسم الشعبيّة الحافلة بالصّخب والأهازيج. من الجدير بالذّكر أنّ المناجل الجيّدة كانت تُجلب للمنطقة من قرية ترشيحا الواقعة ضمن الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة اليوم. الدّامرج هو المنجل الطويل الذي له مقبض، ونصل نصف دائري كبير، بُربط به خلاخل وأجراس ناعمة كي يُصدر أصواتاً محببة مع كل حركة يقوم بها الدّامرجي، أي حامل الدامرج. ومن خلفه تمشي اللاقوطة، وهي بمثابة معاونة للدّامرجي، تلملم من خلفه سوق القمح المصرومة، وتشمّلها في شملات من الخيش بانتظار تجميعها في البيدر. وهناك مناجل أصغر كالزابونة والحاشوشة. ومن ثمّ يأتي دور الدّرس، وهو المرحلة التي يتم فيها فصل الحبّ عن القشر. وفي كلّ مرحلة من مراحل الحصاد كانت هناك أهازيج خاصة وطقوس ورقصات يقوم بها الأهالي في بيادرهم”.

وأضاف الأستاذ قاسم:
“إنّ هذا المثال يعطي صورة حيّة عن حياة أهالي المنطقة في الزمن الغابر. فالقمح وغلال الأرض هو رأس مالهم. ولا يكون المرء حرفيّاً ماهراً إلا إذا أتقن حصاد ما عملته يداه. فما نفع بيدر قمح ناضج إذا لم يتيسّر له من يحصده ويدرسه، ومن ثمّ يطحنه ويصنع منه خبزاً للنّاس؟ في المثال أيضاً تلميح إلى أنّ الحرفي الشاطر لا يستكين إلى الظّروف، فهو يتكيّف مع جميع الظروف كي يستطيع في النهاية إتمام عمله. فإتمام الحصاد للدامرجي المحترف يتمّ من رأس المنجل، فما بالكم ببقيّة النصل؟ وهنا الإشارة مهمّة إلى عدم التواكل والتواني عن العمل تحت أي ظرف. فعلى المرء أن يخلق الظروف المناسبة لتحقيق أهدافه، لا أن ينتظرها. وهذا ما أشار إليه المثل بشكل مباشر”.


“كلشن طيلعناه من خدّ المِلاح، راح بمؤخّرة قدّاح!”

هناك مثل طريف يُتداول في منطقة جبل عامل، يقول: “كلشن طيلعناه من خدّ المِلاح، راح بمؤخّرة قدّاح!”، ويُطلق هذا المثل على الشّخص الذي ضاع تعبه سدى، وعاد بخفيّ حنين، فما كسبه من نجاحٍ ما أو تجارة، ضاع في إخفاقٍ تالٍ.

بالسؤال عن هذا المثل وأصله، أجاب الأستاذ قاسم حجيج:
“يُحكى أنّ طبيباً مغربيّاً يُقال له أبو زيّان استقرّ في قضاء النبطيّة أواخر القرن الثامن عشر. كان يطبب أهل المنطقة بالكتيبة والمراهم الطبيعيّة وبعض الحيل التي كانت دارجة في ذاك الزمان في بلاد المغرب. وفي أحد الأيّام ظهرت لزوجة الأغا في إحدى القرى دُمّلة بجانب حلمة صدرها. بهر جمالها الطبيب أبو زيّان، فتجاسر على القول إنّ شفاء هذه الدّملة لا يكون إلا بمصّها! استهجن الأغا العلاج بداية، إلا أنّه وافق تحت ضغط الزوجة، واضعاً شرطاً خبيثاً وهو أن يعالج أيضاً دُمّلة قبيحة في قفا خادمه قدّاح.

لم يجد أبو زيّان بدّاً من القبول. وهكذا، كان يبدأ بمصّ صدر الزوجة الجميلة وينتهي بمصّ قفا الخادم القبيح المشعّر، مما يضطره للإقياء بعد كل جلسة. وبالنهاية تمّ شفاء الاثنين”.

وأضاف الأستاذ قاسم:
“إنّ هذه القصّة ومدلولاتها تُشير إلى أنّه لا يمكن النجاح عن طريق الاحتيال والخداع. وإنّ هذا النوع من النجاح لا بدّ أن يتبعه خيبة تأخذ معها ما تمّ تحقيقه بطرق غير مشروعة”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى