مقالات

عقيدة تقديس النعمة في جبل عامل

يقدّس أهل منطقة جبل عامل “النعمة”، وجميع من يزورون المنطقة يلاحظون مدى تقدير هؤلاء النّاس للنّعمة، ويُقصد بالنعمة الطعام الذي يرزقهم الله إيّاه، فمن المستحيل أن يرموا فضلات الطعام، أو فتات الخبز مهما كانت الظروف، ومهما كان الشخص صاحب البيت منعماً، حتّى أنّهم يقومون بمسح بقايا أطباقهم بالخبز حتّى ينظف تماماً من أثر الطّعام، ويأكلون هذه الخبزة، بل ويعتبرون هذه اللقمة الأخيرة مقدّسة بحسب الروايات الواردة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام.

وبسؤال الأستاذ المؤرّخ الاستاذ قاسم حجيج رئيس بلديّة دير انطار، والسّجل الحيّ للذاكرة الشعبيّة لمنطقة جبل عامل عن جذور هذا الأمر، فأجاب: “إنّ النّعمة متمثّلة بالطّعام الذي يرزقنا الله إيّاه، هو وديعة مقدّسة يتركها الله سبحانه وتعالى بين أيدينا وعلينا أن نحسن التعامل معها، وإلا فإنّ الله يسخط على من يُسيء التّعامل معها، ويُنزل عليه عقاباً سريعاً، وهذه العقيدة راسخة في أهل المنطقة رسوخ جبل عامل، حتّى أنّ المراجع العظام كلّهم مجمعون على حرمة التعامل بازدراء أو استهتار مع الطعام والرزق، وذلك استناداً إلى الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام في هذا المورد، ويتناقل أهل المنطقة قصّة تراثيّة طريفة عن امرأة كانت تخبز على التنّور وبجانبها طفلها الصغير، الذي جاءه البراز، فتخلّى تحت إحدى الشجيرات القريبة، وحين انتهى نادى على أمّه كي تمسح له مؤخّرته، فلم تجد ما تمسح له بها، فوقعت يدها على بقايا رغيف لم ينجح خبزه، فتناولته ومسحت به مؤخّرة طفلها، فمسخه الله في ساعتها قرداً بين يدي أمّه، ولهذا يقول العامليّون أنّ مؤخّرة القرد دائماً حمراء وتشبه الرّغيف غير النّاضج”.

وأضاف السيّد قاسم حجيج: “طبعاً إنّ قصّة القرد تلك هي من الموروث الشعبي للمنطقة، وهي إنّما وجدت لدعم الرأي السائد في المنطقة بحرمة التعامل مع الطعام والرزق بازدراء أو استهزاء، لذلك نرى أنّ الضمير الجمعي لأهل المنطقة مستقرٌ على تقديس النّعمة والطعام والرزق عموماً، وتحريم رميه والتقليل من شأنه والإسراف فيه حرمةً قطعيّة، لذلك نرى عادة مسح بقايا الطّعام بالخبز وأكله، وذلك من أجل عدم رمي بقايا الطّعام في مصارف المياه”. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى